العرس جـ1

 
 

 

مرت الأسابيع بعد اللقاء الأول بسرعة فائقة

ما عرفته يقيناً عن ( بدر ) هو هوسه و جنونه بالألغاز و فك العقد

في كل مرة نتحدث فيها ، يُـنهي المكالمة بلغز يحتاج لتفكيرٍ عميق يطالبني بإيجاد حله في أقرب فرصة ممكنة

و عقلي الساذج البطيء الفهم يناضل للبحث عن الحلول ، و على الرغم من كوني سريعة الملل ، إلا أني أبحث بجد عن الإجابات ، كنت أرغب في لظهور بمظهر الذكية أمام ( بدر ) ، كنت أفكر بعمق ، و أحاول الحصول على الحل بأسرع وقتٍ ممكن

المريح في الأمر ، هو سماحه لي في البحث و الاستفسار ما كان يهمه فعلاً هو الحصول على المعلومة الصحيحة مهما كانت المصادر

و ما عاد يخفى على الجميع ، بحثي الدءوب عن الحلول ، و محاولاتي الساذجة في حل الألغاز

الحقيقة ، كنت أشعر بالمتعة ، و أجمل اللحظات ، هي تلك التي أجد فيها الإجابة ، فأهرع إلى الهاتف لأقوم باتصال هاتفي سريع ، أو إرسال الإجابة عبر الرسائل القصيرة

عبثٌ طفولي ، و فرح يغمرني عندما أسمع الثناء و المديح لإجاباتي الصحيحة و إن كانت مجرد كلمة صغيرة بسيطة تخرج من فمه ، فتلك الكلمة تعني لي أشياء كثيرة

أما حين يلقي في مسمعي كلمة تعبر عن مشاعره نحوي يتراقص قلبي بين أضلعي و ألوذ بالصمت

ما أعاني منه حقاً ، هو كتماني لأحاسيسي ، أحبه ملء الفضاء و الأراضين
لكني لم أتلفظ أمامه بكلمة واحدة تعبر عن ذلك ، و لم أقم بفعل شيء يوحي بمشاعري اتجاهه

أعلم أن تصرفاتي غريبة ، و أفعالي لا مسوغ لها
!!! فحتى أنا لا أجد أي مبرر لأمور كثيرة أفعلها

 

.... فمثلاً حكاية سفر (بدر) و بقائي في الكويت ، و إصراري على أن يكون العرس صغيرا و ردة ُ فعـ

يا إلهي ، تذكرت
!!

لم أخبركم قبل كل هذا الهذار أنني و ( بدر) قد تزوجنا ، و أقمنا حفلة صغيرة

المعذرة

أنتم تعلمون تلك النوعية من الأحداث ، فبها تختلط الأوقات ، لدرجة يجهل فيها المرء في أي زمن هو ، و لأي عالم ينتمي

دعونا من هذه الثرثرة ، و لأحكي لكم ما حدث

بعد أن جاء ( بدر ) لخطبتي ذلك اليوم ، وافق كلينا على الآخر ، و تم تحديد يوم كتب الكتاب بعد أسبوع ، و بالفعل
أقمنا حفلة حضر فيها الأقارب و الأصدقاء

كانت أمي مصرة بأن تكون الحفلة ضخمة و أن ندعو كل المعارف ، و معارف المعارف
لكني رفضت بشدة ، و أردتها حفلة صغيرة تقام في منزلنا تجمعني بأقرب الناس إلي ليشاركوني فرحتي

لعلي لم أرغب أن نقيم حفلة يلوكها الناس في ألسنتهم ، و بعدها سأفترق عن ( بدر ) ه
 

***


في يوم حفل الزفاف ، كانت الحياة تدب داخل أركان المنزل ، ( زين ) تسأل عن كل شيء ، و ( زيد ) المشاغب يستمتع في إطلاق النكات علي ،أما ( محمد ) فكان يلقي بنصائحه في مسمعي
و أمي تتابع الديكورات و البوفيهات ، و أبي لا أدري أين كان بالضبط لكنه بالتأكيد يقوم بعملٍ ما من أجل الحفل

أما أنا ، فقد كنت أراقب كل خطوة تقوم بها خبيرة التجميل التي أصروا على إحضارها
فوافقت شريطة أن لا تغيّر ملامحي و أن لا تظهرني بمظهر لا يمت لـ(مها) بصلة

تركت المُزينة تقوم بعملها ، و قضيت وقتي ببعض الاتصالات الهاتفية لأوصي بعد الأشخاص و لأتأكد من سير الأمور لأريح نفسي المتوترة

أول من اتصلت به هو ( أونكل تيمون ) ه

 

أونكل تيمون ، هو عمي ( خالد ) الذي يكبرني بأربع سنوات فقط ، و الذي يصّر بأن أناديه عمي ، لكن لأننا قريبان من بعض جداً ، و نتفنن في معاكسة بعضنا البعض
صرت أناديه بـهذا اللقب خاصة و أنه يتخذ من ( هكونا ماتاتا ) شعاراً له في الحياة ، و سياسة يطبقها مع الجميع

بالمناسبة ( هكونا ماتاتا ) تعني
( لا تقلق )
Don’t worry
و هي مقتبسة من الفيلم الكرتوني ( تيمون و بومبا ) اللذان يعيشان بسعادة و هما مشتاقين للمستقبل بعد أن قاما برمي الماضي المغيظ
!!

أما( هشام ) أخو ( خالد )التوأم فقد أطلقتُ عليه من وراء ظهره لقب(مستر قرامبي)ه
Mr. Grumpy
و هو أحد أفراد الأقزام السبعة المعروف بسرعة غضبه

أجد بعض الطرافة إذا قمت بتصنيف والدي و إخوانه ، و لاحظت الفرق

فعمي ( وليد )- والد جوري - ، و ( خالد ) ، يمثلان الشخصية المرحة ، الغير مبالية ، المستهترة ، الضاحكة على الدوام ، كما أنهما مفعمان بـ( الالترويزم ) أي حب الآخرين و اللإلتفات إلى حاجاتهم و رغباتهم

أما أبي و ( هشام ) فهما من النوع العصامي ، العصبي ، الشديد ، السريع الفوران لكنهما على الرغم من ذلك طيبي القلب

من الواضح أني استطردت في الحديث فخرجت عن الموضوع ، لنعد إذاً إلى مكالماتي الهاتفية

في محادثتي مع ( خالد ) أخبرني أنه قد أعد لي مفاجأة ستبكيني
حاولت أن أستشف من كلماته نوعية تلك المفاجأة لكنه أغلق الخظ دون أن أحصل على نتيجة

بعدها اتصلت بـ( جوري ) كي أذكرها بأن تكون متواجدة عندي قبل أن يأتي المدعوون لتخبرني عن رأيها في مظهري

تريحني نظرة ( جوري ) للأشياء ، و أحب أن أسمع انتقاداتها
صحيح أنها في بعض الأحيان تكون جارحة ، لكن دائماً ما تكون صراحتها مفيدة
 

***

لما انتهت المـُزينة من تزييني ، كانت (جوري ) قد وصلت فأبدت إعجابها التام بزينتي
أتذكر وجهها جيداً و هي تغمز لي قائلة : ( مذهلةٌ أنتِ ، يا فتاة ) ه

لما حان الوقت كي أنزل إلى الصالة التي تعج بالنساء ، شعرت برغبة في الإختلاء بنفسي
لكن باتت الخلوة شبه مستحيلة بعد أن أباح أفراد عائلتي لأنفسهم الدخول إلى غرفتي متى شاءوا بحجة أني اليوم عروس

لذا دخلت إلى الحمام و قفلت الباب

في الداخل أخذت نفساً عميقاً ، و وقفت أمام المرآة ،أنظر إلى نفسي بكامل زينتي ، شعرت و كأنني أميرة أسطورية في رواية عالمية ، ففستاني منفوش ، و شعري مصفف ، و وجهي ينطق بالسعادة كما أني أنتظر الأمير ليحملني إلى عالمه

إلى عالمه ؟؟

شعرت بغصة و تضايقت جداً لسذاجة تفكيري
أي عالمٍ سيحملني إليه و نحن نعيش و سنعيش في عالمين منفصلين ؟

شعرت برغبة في البكاء ، لكن صوت ( جوري ) أتاني من خلف الباب : ( هيه يا فتاة ، هل تبكين في الداخل ؟ أخرجي حالاً ستفسدين زينتك إن بكيتِ ) ه
 

دفنت الغصة بين أضلعي ، و خرجت من دورة المياة و كلمة منفصلين تضخ الأفكار المزعجة في رأسي

منفصلين
منفصلين
منفصلين
منفصلين

حاولت نفض تلك الأفكار ، لكن مشاعر سلبية كانت تجتاح كياني كله
فصرت أهرب منها بالتظاهر بالمرح ، و قمت بإطلاق ضحكات مصطنعة على أتفه الأشياء


شعرت بالسخف اتجاه كل ما يحيطني ، و صرت أرغب في الإنتهاء بسرعة من كل هذا
لذا حملت باقة الورد بين يدي و طلبت من ( جوري ) أن تخبر ( أمي ) أني جاهزة تماماً للنزول

لما خرجت من غرفتي و توجهت إلى الدرج ، وجدت ( زين ) تدور كفراشة ملونة حولي
فرحت جداً برؤيتها بهذا الشكل ، لكن و مع ذلك كان قلبي يذوب ألماً

سحقاً لتلك الأفكار الحمقاء ، تباغتني في وقت يجب أن أكون فيه في أعلى مراتب السعادة

وقفت لدقائق أنتظر سماع النغمة المخصصة لظهوري أمام الناس ، لما سمعتها نزلت كما تنزل العرائس و سرت بين النساء و أنا أمثل الإبتسامة ، كانت الهمهمات و الهمسات تخالط الألحان ، و أنظار الجميع متوجهة إلي ، كانت ( جوري ) تهب لمساعدتي و ترتب ثوبي لكي تكون خطواتي راقية باتجاه المقعد المزين بالأزهار و المحاط بالديكورات المصممة بعناية

لما وصلت إلى مقعدي ، جاءت النسوة إلي ليباركن لي ، و قمن بالتقاط العديد من الصور


البهجة تعم الوجوه ، خصوصاً وجه أمي و خالتي ( نادية ) ه

شعرت آن ذاك برغبة في الانفجار بالبكاء ، إذ كانت المشاعر المتناقضة المختلطة تغمرني
كنت سعيدة ، تعيسة ، خائفة ، واثقة ، متصنعة ، صادقة ، كل هذه المشاعر كانت تتخبط داخلي في الوقت ذاته

و خلال مكافحتي لتناقضاتي ، و محاولتي في الاستمتاع بوقتي
أتت أمي و همست في أذني بأن الرجال قد وصلوا
 

*************************
*************************

ماذا حدث ؟ و ما المفاجأة التي أعدها ( أونكل تيمون ) لي ؟

ترقبوا

^_*